ابن عطاء الله السكندري
18
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
تنظر إلى صغير النفس بل انظر إلى مقداره وإلى ما يعطى اللّه العبد فالأنفاس جواهر وهل رأيت أحدا يرمى جوهرة على مزبلة ؟ أفتصلح ظاهرك وتفسد باطنك ؟ فمثالك كالمجزوم لبس ثيابا جديدة ويخرج منه في الباطن القبيح والصديد فأنت تصلح ما ينظر إليه الناس ولا تصلح قلبك الذي هو لربك . الحكمة كالقيد إن قيدت بها نفسك امتنعت وإن رميتها تسيبت ويخاف عليك مثال ذلك كالمجنون في بيتك يخربه ويقع الثياب فإذا قيدته استرحت وإذا طرحت القيد وخرجت فالضرر باق ، يا أيها الشيخ قد أفنيت عمرك فاستدرك ما فاتك قد لبست البياض وهو الشيب والبياض لا يحمل الدنس . مثال القلب كالمرآة ومثال النفس كالنفس كلما تنفست على المرآة تسود . قلب الفاجر كمرآة العجوز التي ضعفت همتها أن تجلوها وتنظر فيها وقلب العارف كمرآة العروس كل يوم تنظر فيها فلا تزال مصقولة . همة الزاهدين في كثرة الأعمال وهمة العارفين في تصحيح الأحوال . أربعة تعينك على جلاء قلبك : كثرة الذكر ، ولزوم الصمت ، والخلوة ، وقلة المطعم والمشرب . أهل الغفلة إذا أصبحوا يتفقدون أموالهم وأهل الزهد والعبادة يتفقدون أحوالهم وأهل المعرفة يتفقدون قلوبهم مع اللّه عز وجل . ما من نفس بيدي اللّه تعالى فيك من طاعة أو مرض أو فاقة إلا وهو يريد أن يختبرك بذلك ، ومن طلب الدنيا بطريق الآخرة كان كمن أخذ ملعقة ياقوت يغرف بها العذرة أفما يعد هذا أحمق . لا تعتقد أن الناس فاتهم العلم بل فاتهم التوفيق أكثر من العلم . أول ما ينبغي لك أن تبكى على عقلك فكما يقع القحط في الكلأ يقع في عقول الرجال وبالعقل عاش الناس مع الناس ومع اللّه تعالى ، مع الناس بحسن الخلق ، ومع اللّه باتباع مرضاته ، إن من من عليك بثلاثة فقد من عليك بالنعمة الكبرى : الأولى الوقوف على حدوده . والثانية الوفاء بعهوده . والثالثة الغرق في شهوده ، وما سبب استغرابك لأحوال العارفين إلا استغراقك في القطيعة ، ولو شاركتهم في الأسفار لشاركتهم في الأخبار ، ولو شاركتهم في العنا لشاركتهم في الهنا : ما شأن نفسك وقت الرضا إلا كالبعير المعقول فإذا سيبته انطلق قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( لقلب ابن آدم أشد تقلبا من القدر على النار إذا غلت ) فكم من كان في جمع مع اللّه أتته الفرقة في نفس واحد ، وكم من بات في طاعة اللّه ما طلعت عليه الشمس حتى دخل في القطيعة فالقلب بمثابة العين والعين لا ترى بها كلها بل بمقدار العدسة منها كذلك القلب لا يراد منه اللحمانية بل اللطيفة التي أودعها اللّه فيه وهي المدركة وجعل اللّه القلب معلقا في الجانب الأيسر